النويري
288
نهاية الأرب في فنون الأدب
البردين ، وحلَّتك مارية « 1 » بالقرطين ؛ وقلَّدك عمرو « 2 » بالصّمصامة ، وحملك الحارث « 3 » على النّعامة ؛ ما شككت فيك ، ولا تكلمت بملء فيك ؛ ولا سترت أباك ، ولا كنت إلا ذاك ؛ وهبك ساميتهم في ذروة المجد والحسب ، وجاريتهم في غاية الظرف والأدب ؛ ألست تأوى إلى بيت قعيدته لكاع ؟ إذ كلَّهم عزب خالى الذراع ؛ وأين من أنفرد به ، ممن لا أغلب إلا على الأقلّ الأخسّ منه ؟ وكم بين من يعتمدنى بالقوّة الظاهرة ، والشهوة الوافرة ؛ والنفس المصروفة الىّ ، واللذة الموقوفة علىّ ؛ وبين آخر قد نزحت بيره ، ونضب غديره ؛ وذهب نشاطه ، ولم يبق إلا ضراطه ؛ وهل كان يجمع لي فيك إلا الحشف « 4 » وسوء الكيلة . ويقترن علىّ بك إلا الغدّة والموت في بيت سلوليّة « 5 » ؟ تعالى اللَّه يا سلم بن عمرو أذلّ الحرص أعناق الرجال ( وهذا الشعر لأبى العتاهية يخاطب به سلم بن عمرو ، ويلومه على حصرصه ، ويتلوه ) : هب الدنيا تصير إليك عفوا أليس مصير ذاك إلى زوال ما كان أحقّك بأن تقدر بذرعك ، وتربع على ظلعك ؛ ولا تكون براقش « 6 » الدالَّة
--> « 1 » مارية : هي ابنة ظالم بن وهب الكندىّ ، وزوجة الحارث الأكبر الغساني أحد ملوك العرب بالشام ، وكان في قرطيها لؤلؤتان كبيرتان يتوارثهما الملوك ، وقد وصلنا إلى عبد الملك بن مروان ، فأهداهما إلى ابنته لما زوّجها لعمر بن عبد العزيز ، وروى أن مارية أهدتهما إلى الكعبة . « 2 » عمرو : هو ابن معد يكرب . والصمصامة : اسم سيفه . « 3 » هو الحارث بن عباد التغلبي . والنعامة اسم فرسه . « 4 » الحشف : اليابس الردىء من التمر . يضرب للخلتين السيئتين يجتمعان في شخص ؛ ونص المثل : « أحشفا وسوء كيلة » . « 5 » أشار بهذه العبارة إلى قول عامر بن الطفيل : حين ظهرت في رقبته الغدّة التي مات بها ، وكان في بيت امرأة سلولية ، فقال : أغدّة كغدّة البعير ، وموت في بيت سلولية . « 6 » براقش : اسم كلبة نبحت قوما قصدوا الغارة على قوم فخفى عليهم مكانهم ، فلما نبحت عرفوهم فاجناحوهم فقالت العرب : « أشأم من براقش » .